صفحة البداية بحوث و مقالات     >>     أبعاد مشكلات الادمان بين الوقاية والعلاج
بحوث و مقالات دخول
اسم المستخدم  
كلمة السر  
طباعة البريد الإلكتروني
اسمك  
البريد الالكتروني    
اسم صديقك  
بريده الالكتروني    
 
عنوان : أبعاد مشكلات الادمان بين الوقاية والعلاج
صنف, فئة : البحوث الإجتماعية
تاريخ : July 05, 2003
المؤلف : English Author
وصف : أبعاد مشكلات الادمان بين الوقاية والعلاج

وزارة الداخلية

الإدارة العامة لشرطة أبوظبي

قسم التخطيط والتطوير

مركز البحوث والدراسات الأمنية والاجتماعية

 

 

 

 

 

أبعاد مشكلات الادمان بين الوقاية والعلاج

نحو نظام مؤسسي للوقاية والعلاج

 

 

إعداد

د . عاكف صوفان

 

 

 

 

 

 

ـ ديسمبر 1996ـ


المحتويات

المبحث الأول:

· الإطار العام للدراسة.

· أهمية الدراسة وأهدافها.

· الدراسات السابقة.

· منهج الدراسة وخطواتها.

المبحث الثاني:

· أبعاد التنشئة الإجتماعية ومؤثراتها البيئية.

المبحث الثالث:

       واقع المؤسسات المحلية في الوقاية والعلاج بدولة الإمارات.

·   المؤسسات التعليمية.

·   المؤسسات الإعلامية.

·   المؤسسات الصحية.                

المبحث الرابع:

       مسار جرائم المخدرات في دولة الإمارات العربية المتحدة.

       الدراسة الميدانية.

المبحث الخامس:

       نحو رؤية جديدة للوقاية والعلاج من تعاطى المخدرات بدولة الإمارات العربية المتحدة.

خاتمة.

المراجع.

 

مشكلة الدراسة :

على الرغم من الجهود المبذولة في مجال الوقاية والعلاج من تعاطي المخدرات بصفة عامة في دولة الإمارات العربية المتحدة. سواء بطريقة مباشرة عن طريق دعم إدارات لمكافحة المخدرات بالعدد والعدة  وبكافة الأجهزة التكنولوجية الجدية الحديثة و تشديد الرقابة على تجارة وتعاطي المخدرات، وإنشاء وحدات لعلاج إساءة استخدام العقاقير المخدرة، كعيادات الطب النفسي، والعلاج من الادمان في الدولة، أو بطريقة غير مباشرة، عن طريق نشر الوعي الأمني بين مختلف فئات المجتمع، سواء عن طريق المعالجة الإعلامية لبعض مشكلات تعاطي المخدرات، وذلك عن طريق التعريف بأسبابها، وتبيان خطورتها، وانعكاساتها السلبية علىالفرد والمجتمع، والاضطربات الصحية والمشكلات الاجتماعية المترتبة على التعاطي، أو عن طريق مختلف المؤسسات التربوية والاجتماعية والدينية المرتبطة بوقاية المجتمع ضد مخاطر إساءة استخدام العقاقير المخدرة والإدمان، وبالرغم من وجود بعض التفاوت في هذا الموضوع من منطقة لأخرى في الدولة، إلا أن الواقع الأمني والمستجدات العديدة للظواهر الأمنية في دولة الامارات العربية، وفي مختلف دول العالم أصبحت على درجة كبيرة من التعقيد والتداخل، فقد أصبحت الظاهرة الإجرامية للاتجار غير المشروع في المخدرات، وتعاطيها جزءاً من مكونات ظاهرة الإجرام بصفة عامة، فانتشار تعاطي المخدرات أصبح يشمل الدول الغنية والفقيرة معاً، بعكس انتشار الجرائم الأخرى، كما أن الاتجار غير المشروع بالمخدرات لم يعد يقتصر على انتهاك المعاهدات الدولية والقوانين الوطنية فحسب، بل ارتبط بالعديد من الجرائم الأخرى التي ارتبطت بجرائم المخدرات، كالإرهاب الدولي، وتجارة السلاح والرشوة، والفساد بصورة عامة، ولم يعد إساءة استعمال المخدرات قاصراً على المراهقين من الشباب بل تعدتها إلى سائر الفئات، على اختلاف أعمارهم وطبقاتهم الاجتماعية، ولم يعد تأثير تعاطي المخدرات على الفرد فقط بل تعداه إلى التأثير على الأمن الاجتماعي بأبعاده المختلفة، والذي يشمل العادات، والتقاليد، والقيم وأساليب الحياة والاقتصاد الوطني بصورة عامة.

إن زيادة المشكلات الأمنية وتعقدها عاماً بعد عام، من جراء التطور السكاني، والانفتاح على العالم وزيادة قنوات الاتصال، تستدعي اتخاذ سلسلة من الإجراءات الوقائية والعلاجية لظاهرة تعاطي المخدرات، ومن هنا تكمن مشكلة الدراسة في الإجابة على التساؤلات التالية:

1.ما واقع أجهزة الوقاية والعلاج لظاهرة إساءة استخدام العقاقير المخدرة أو تعاطي المخدرات في دولة الامارات العربية المتحدة.

2.ما مدى كفاية وملاءمة برامج هذه الأجهزة والوسائل وجهودها في إطار الوقاية والعلاج لمشكلات تعاطي المخدرات أو الإدمان.

3.كيف يمكن تطوير برامج المؤسسات المختلفة وتحسين جهودها في إطار استراتيجية ورؤية تكامليه  متقدمة للوقاية والعلاج من مشكلة إساءة استخدام العقاقير المخدرة في الدولة.

 

 

أهمية الدراسة وأهدافها:

تتزامن هذه الدراسة مع الاتجاهات والاهتمامات الحالية لدراسة ومناقشة مشكلة إساءة استخدام العقاقير المخدرة، أو تعاطي المخدرات والإدمان على المستوى العالمي، والعربي، والخليجي، والمحلي بدولة الامارات العربية المتحدة، ومع الجهود التي تبذلها كافة المؤسسات الشرطية والإعلامية، والصحية والتربوية، والدينية وكافة الهيئات المحلية للوقاية والعلاج من مشكلة الإدمان، أوتعاطي المخدرات، وتركز الدراسة على رصد تقويم جهود أجهزة الوقاية والعلاج لظاهرة تعاطي المخدرات في الدولة، وصولاً إلى اقتراح بعض الحلول الإجرائية، التي يمكن من خلالها تطوير عمل أجهزة الوقاية والعلاج في الدولة، وذلك من خلال استراتيجية مقترحة، تعد هذه الدراسة مع الدراسات والأبحاث الأخرى إلى رسم معالمها وتحديد سماتها، وتهدف هذه الدراسة إلى تحقيق مايلي:

1.التعرف على أبعاد مشكلة تعاطي المخدرات الاجتماعية والنفسية و دور التغير الاجتماعي في تكوينها.

2.تقييم دور البيئة المحلية بأجهزتها المختلفة في عملية الوقاية والعلاج لمشكلة تعاطي المخدرات.

3.الوصول إلى حلول يمكن أن تساهم في تطوير الأجهزة الوقائية والعلاجية واقتراح نموذج  يمكن أن  يساهم في دعم الوقاية والعلاج لمشكلة تعاطي المخدرات في الدولة.

 

الدراسات السابقة:

 قليلة هي الدراسات التي عنيت بدراسة أبعاد مشكلة تعاطي المخدرات في دولة الامارات العربية المتحدة، ومن أهم هذه الدراسات التي عالجت هذا الموضوع هي:

 

1ـ دراسة ميدانية عن ظاهرة إدمان المخدرات في مجتمع الإمارات العربية المتحدة، لفريق من الباحثين (1994).

أجريت هذه الدراسة على عينة من المدمنين بلغ عددهم 61 إماراتياً تراوحت أعمارهم بين 18 إلى 45سنة، وعدد 108 من غير المدمنين تراوحت أعمارهم ما بين 18 و 20 سنة، وقد تم استخدام مقياس الصحة العامة ومقياس مفهوم الذات، ومقياس التنشئة الأسرية كأدوات للبحث، وقد خلصت الدراسة في الكشف عن حقيقة أن بين المدمنين الخليجيين كثيراً من الجوانب النفسية والاجتماعية المشتركة ومن شأن هذا المكتشف أن يسهل على مجلس التعاون الخليجي وضع استراتيجية وقائية وعلاج موحدة، فوضع الإدمان في السعودية ينطبق على وضع الإدمان في دولة الإمارات، والظاهرة حديثة في كلا البلدين، ومصداق لذلك تعاطي نصف عدد المدمنين في الإمارات لأول مرة خارج بلدهم، بالإضافة إلى خلو جيل الآباء من ممارسات التعاطي، كما أشارت الدراسة إلى أن تعاطي المخدرات لا يصيب الطبقة المثقفة والمتعلمة من أصحاب المستويات الاقتصادية الجيدة ثم تشيع في أوساط العوام كما هو الحال في الغرب، ولكنها تستهدف العوام الصغار أولاً والعوام الصغار في الخليج فئة ليس لها نظير في الغرب إذ يتميز هؤلاء عن بقية المواطنين بأنهم يتمتعون بوضع اقتصادي جيد ولكن ينقصهم وآباءهم عنصر التعليم الرسمي، نظراً لانتشار الأمية وسط الآباء والأمهات وجهل الأباء بشؤون التربية في إطار التغير الاجتماعي السريع الذي تشهده البلاد.

كما أفادت الدراسة أن تسلط آباء المدمنين وعدم تقبلهم للأبناء غالباُ ما تثير لدى الصغار وخاصة المراهقين، روح التمرد والرفض واتباع رفقاء السوء والهروب من المدرسة جرياً لتحقيق ملذات آنية واكتساب هوية خارج نطاق الأسرة غير المتقبلة لهم، وقلة التعليم بحد ذاتها ترتبط بظاهرة إدمان المخدرات بصورة عامة، ولكن يبدو أن الرابطة تقوى أكثر عندما يلازم قلة التعليم توفر المخدرات ويسر في الحالة الاقتصادية. ويعتبر الحشيش هو أول مخدر تعاطاه المدمن في دولة الإمارات بنسبة 69% يليها الهيروين بنسبة 28% ويكون التعاطي لأول مرة بتشجيع من صديق و 77% من المدمنين لديهم أصدقاء يتعاطون المخدرات و36%يتعاطون بصورة منتظمة.

 

2ـ دراسة ميدانية بعنوان مشكلة تعاطي المخدرات في دولة الإمارات (للدكتور ـ هاشم عبد الله سرحان).

تركزت هذه الدراسة على طبيعة مشكلة تعاطي المخدرات في دولة الإمارات وتأثير التغيرات الاقتصادية والاجتماعية في سرعة انتشار تعاطي المخدرات وكذلك تقييم سياسات مكافحة المخدرات الحالية. ومدى تأثير هذه المشكلة على التشريعات القانونية، وعلى العادات والتقاليد الاجتماعية السائدة في المجتمع، وقد خرجت هذه الدراسة بنتائج تختلف إلى حد ما في بعض نتائجها مع الدراسة السابقة (رقم1).

فقد أشارت الدراسة إلى أن مشكلة تعاطي المخدرات في دولة الإمارات لم تقتصر على فئة معينة من المجتمع بل انتشرت بين مختلف فئات المجتمع من أغنياء وفقراء ومتعلمين وغير متعلمين مما جعل هذه المشكلة أكثر تعقيداً، كما أن تعاطي المخدرات ينتشر بين المواطنين بصورة أكثر من انتشاره بين الجنسيات الأخرى بالدولة، مما كان له أثر سلبي ليس على المتعاطي بل على الحياة الاجتماعية والاقتصادية بالدولة، وخلصت الدراسة إلى بعض التوصيات التي تركز على تطوير سلوك الفرد وبناء شخصيته، وإعادة تقيم التركيبة السكانية، و التركيز في مكافحة المخدرات ليس على المتعاطين والمروجين فقط، بل على ضبط الرؤوس الكبيرة لتجارة المخدرات، وضرورة إنشاء نظام جديد لمتابعة تطور ظاهرة تعاطي المخدرات من حيث الوقاية والعلاج قابلاً للتطبيق، وموضوعاً بناء على نتائج الدراسات التي أجريت حول مشكلة تعاطي المخدرات في الدولة، وضرورة التركيز على برامج محددة للوقاية من خطر تعاطي المخدرات، وعدم الاقتصار على الجوانب العلاجية الصحية والنفسية، وضرورة وضع برامج الوقاية من قبل مختصين في التربية وعلم النفس وعلم الاجتماع وتقييم البرامج الوقائية بصفة دورية.

وقد أجريت دراسات أخرى تتصل بمشكلات تعاطي المخدرات في الدولة إلا أن هاتين الدراستين اللتين تمت الإشارة إليهما تكفيان للدلالة على مسار تطور جرائم مشكلة المخدرات في الدولة، ورصد أبعادها، كمؤشرات تسعى الدراسة الحالية إلى تفصيل بعض موضوعاتها، وإضافة بعض الحلول والمقترحات التي ستخلص إليها الدراسة، ومن مقارنة الدراستين السابقتين يتضح لنا ما يلي:

1.الدراسة الأولى تشير إلى أن قلة التعليم لدى الأبناء والآباء والأمهات وجهل الآباء بشؤون التربية من العوامل الرئيسية لظاهرة تعاطي المخدرات بينما أشارت الدراسة الثانية إلى أن مشكلة تعاطي المخدرات لم تقتصر على فئة معينة من المجتمع بل تنتشر بين مختلف فئات المجتمع من متعلمين وغير متعلمين وينتشر بصورة كبيرة بين الأفراد ذوي المؤهلات العلمية المتوسطة والحاصلين على الثانوية العامة.

2.أفادة الدراسة الأولى أن أكبر نسبة لتعاطي المخدرات تتركز بين فئة الشباب والمراهقين بينما أظهرت نتائج الدراسة الثانية أن الفئة العمرية تمتد حتى 29 سنة.

ومن مقارتة هاتين الدراستين مع نتائج دراسات أخرى يرى الباحث أن مشكلة تعاطي المخدرات مشكلة معقدة ولها أبعاد كثيرة تربوية واجتماعية واقتصادية، وتتفق أغلب الدراسات على أهمية التغيرات والتحولات الاجتماعية في تكوين هذه الظاهرة وتطورها وتدني المستوى التعليمي للأبناء وللآباء والأمهات وغياب التوجيه الأسري ومتابعة الأبناء، وقصور أساليب الوقاية للمؤسسات التعليمية والاجتماعية، وقد أوصت أغلب الدراسات بالتركيز على العمل الوقائي الشامل من خلال توصيات محددة خاصة بالأسرة والمدرسة وأساليب المكافحة والعلاج دون أن تقدم برامج ونماذج محددة.

 

1ـ منهج الدراسة :

تتبع الدراسة المنهج الوصفي (التحليلي) مستخدمة في ذلك التعريف بجميع الأجهزة المعنية بالوقاية والعلاج من المخدرات في دولة الامارات العربية المتحدة.

وتشير الدراسة وفقاً للخطوات التالية:

1.تبيان الإطار العام للدراسة وفيه تم عرض مشكلة الدراسة وأهميتها وأهدافها وأدواتها والدراسات السابقة ومنهج الدراسة وخطواتها.

2.عرض نظري لأبعاد مشكلة إساءة استخدام العقاقير المسكرة أو تعاطي المخدرات والإدمان.

3.تبيان دور المؤسسات المحلية الإعلامية والتربوية والصحية والدينية في الوقاية والعلاج.

4.تحليل نتائج الدراسات السابقة التي تطرقت إلى أبعاد ومشكلة تعاطي المخدرات والإدمان في دولة الإمارات العربية.

5.استنتاج خلاصة الدراسة وتقديم نموذج مقترح للوقاية والعلاج من تعاطي المخدرات في دولة الامارات العربية المتحدة.

 

المبحث الثاني: أبعاد التنشئة الإجتماعية ومؤثراتها البيئية:

إن الأسرة التي ينشأ فيها الفرد لها الأثر القوي في كثير من تصرفاته وسلوكه، وهي الإطار الريئسي الذي ينمو فيه من سن الطفولة حتى مرحلة المراهقة على الأقل، فالأسرة تقدم ما يحتاج إليه الطفل من النماذج ومن المعايير على الصعيد الوجداني، والاجتماعي، والمهني، والفكري، والاخلاقي، لكي يؤدي وظائفه مستقبلاً، وتعتبر سنوات مرحلة الطفولة والمراهقة ذات أهمية حاسمة بالنسبة لتطور الفرد من جميع النواحي في السنوات التي يكتسب فيها الطفل اتجاهاته ومواقفه الأساسية إزاء نفسه وتجاه الآخرين، كاحترام الذات، الحب والكراهية، الصدق والكذب، الثقة بالنفس أو الخوف. كما يمكن للأسرة أن تشجع النمو أو أن تعوقه بما تنقله للطفل من قيم وإمكانات وقدرات، كما أنها تقدم له نماذج للدور الذي يمكن أن يلعبه مستقبلاً وتحدد له  بدورها أساليب لتحقيقها، وتوفر الأسرة للطفل العناصر الغذائية، والحسية، والاجتماعية، والوجدانية، والفكرية من أجل نموه. فاذا ما تعذر علىالأسرة إزاء هذه المهام، بسبب الضغوط الاقتصادية أو الاجتماعية أو الوجدانية، فلا بد من التوصل إلى حلول بديلة تحقق الغرض ويتضح دور الأسرة في الوقاية من المخدرات في عدة مظاهر وأدوار وقائية وعلاجية إبتداء من مرحلة البناء والنمو الجسمي، والنفسي للطفل، عن طريق التفاعل الاجتماعي وتحقيق الذات في مواجهة مستجدات الحياة، والاستقلالية في مواجهتها، إلى مرحلة البناء السلوكي، الذي يتجلى في توعية الأبناء التوعية السليمة لوقايتهم من الانحراف، وتوجيههم التوجيه السليم في اختيار الأصدقاء، واختيار برامج التلفاز المناسبة، ومتابعة سلوكيات الأطفال المبكرة، والتي تعتبر أساس اكتشاف أية مؤثرات انحرافية يمكن السيطرة عليها وتقويمها، إذا ما تم التعرف عليها في مراحلها الأولى.

فالأسرة التي ينشأ فيها الفرد لها أثرها القوي في كثير من تصرفاته، فإدمان الأب على السكر والمخدرات قد يكون مثلاً سيئاً لأولاده من جهة،كما أن عدم العناية الكافية والرعاية والتهذيب من جهة أخرى، قد يؤدي إلى الإنحراف بسهولة نحو الجنوح أو الجريمة. كما أن جهل الوالدين بأساليب التربية السليمة، إما بالإهمال الكامل للطفل أو الدلال الزائد، والقسوة البالغة يمكن أن تدفع الفرد إلى الإنحراف وبالتالي الهروب من الوسط العائلي للالتفاف حول المنحرفين أو الفاسدين، والذين عن طريقهم يستطيع تصريف الكبت الذي يلاقيه في البيت، ويمكن أن لا يتورع عن ارتكاب أي فعل انحرافي تدفعه إليه نزواته وغرائزه المختلفة، ومنها تعاطي المخدرات، وإن تباينت وجهات النظر حول طبيعة أدوار الأسرة و تعددها، فإن الإطار العام لها يظل واحداً مهما تعددت الأدوار وتشعبت. "إن أدوار الأسرة تتعدد وتختلف باختلاف الامكانيات داخل كل أسرة، وباختلاف أنماطها سواء كانت الأسرة الزواجية، أو الأسرة الممتدة، أو النووية، أو الأسر المشتركة، إنها في مجملها مجموعة متنوعة من الحقوق والواجبات يلتزم بها أعضاء الأسرة وتحددها ثقافة المجتمع، وتعكسها ظروفه الاقتصادية والاجتماعية والبيئية.

ولا يخفى ما للبيئة المدرسية وتأثيرها على سلوك الفرد الحسن والسيئ فإن المدرسة لا يقتصر دورها على تزويد الطفل بالمعارف والمعلومات بل يتجاوز ذلك إلى تمرس القيم الاجتماعية والشخصية في نفسه، والمدرسة وإن كان لها وظيفة رسمية محددة المعالم بينة القسمات تتمثل في القيام بمهام محددة يؤديها مدرسون مكلفون بتأديتها بأساليب محددة لهم، إلا أنها عملياً تعتبر خلية اجتماعية من الأفراد يتفاعلون باستمرار مع بعضهم البعض، فالطلبة يتفاعلون مع المدرسين ومع الإداريين ومع غيرهم من الطلبة، وكل اتصال أو تفاعل يكشف للطفل شيئاً عن حالته ودوره وكفاءته، ويعمل على تطور سلوكه تبعاً لهذا الاحتكاك والتواصل، كما أن لبيئة العمل تأثيراً على سلوك الفرد العام السيئ والحسن، فمحاولة تقليد الفرد لزملائه في العمل الذين يكبرونه سناً والذين لديهم خبرة في شؤون الحياة المختلفة ومجاراتهم في تصرفاتهم وسلوكهم قد يوقع الشخص إلى الانحراف في سلوكه وتصرفاته، كما أن للأصدقاء دوراً في تكوين تصرفات الشخص وسلوكه بوجه عام، فالأصحاب يؤثرون في الشخص وينمون عنده استعدادات معينة، ويثيرون فيه ميولاً وسلوكيات لم تكن في الواقع مؤسسة بالمعنى السوسيولوجي، فلها شكل ولها وظيفة، وإن اختلف كلاهما من مرحلة لأخرى من مراحل العمر ومن مكان لآخر، ويمكن أن ينشئها المجتمع المحلي أو المجتمع الأكبر لأداء وظائف معينة كما هو الحال بالنسبة لأندية الشباب والأندية الرياضية، وزملاء الدراسة بشكل عام، فالمدرسة هي إطار يتم فيه التعلم والنمو، ويفيد بصفة خاصة في أولى مراحل تعلم الاتصال بشتى الناس خارج نطاق الأسرة، كما أنها تهيئ عادة مناخاً من الأمن والتكافل، يتيح الإقدام على المحاولات الأولى نحو الاستقلال و إقامة أولى الصداقات الحميمة، وهي تضفي قدراً من المكانة في وقت يتعين فيه على الكثيرين اكتساب هذه المكانة بمفردهم فالحدث يعوم في محيط معين، محيط العائلة والأصدقاء  وتجمعات الفتيان وزمرهم، والأوساط الشعبية والغنية، وهو يشارك في الانفعالات كما يشارك في أفكار وحاجات الجماعة وهذه الجماعة، وهذه المشكلة، تفسحان المجال أمام الوسط الذي يعيش فيه ليطيعه بقوة، فيقترن أسلوب عيشه شيئاً فشيئاً بأسلوب الحياة السائدة في هذا الوسط، وتحتويه النزعة اللااجتماعية أو حتى العدائية الاجتماعية التي تحيط به.

 ولا شك أن لكل جماعة أنشطتها وقيمها وشعاراتها الرمزية، وأنماط سلوكها التي تميز أعضاءها عن غيرهم، وقد يكون تعاطي المخدرات علامة ورمزاً من هذه العلامات والرموز، كما قد يكون شعيرة من شعائر قبول الشخص في الجماعة، بل وقد يكون نشاطاً يؤهل صاحبه لنوع من المكانة.

ولتعاطي المخدرات سمات أخرى تجذب الشباب نحو جماعة الأصحاب فهو يشارك أصحابه ويتعلم منهم الآثار المتوقعة من تعاطيها، وكيف يتبينها وما ينبغي أن تكون استجابته للآثار السيئة، ويمكن أن يحصل على ما يريد من مواد من شبكة واسعة من تجار المخدرات وعارضيها ومتعاطيها، وهو يأمل أن تيسر له المخدرات فهم أصحابه وسهولة التفاعل معهم، وتعمق فهمه لحقيقة نفسه من الداخل ولمظهره الخارجي في نظرهم .

كما أن لمؤسسات البيئة المحلية المختلفة دوراً لا يستهان به في عملية التنشئة العامة للفرد، ولأجهزة الإعلام المختلفة المرئية والمسموعة والمقروءة، ودور العبادة وأنشطتها والهيئات المنوط بها تقديم الخدمات الاجتماعية والإدارات الحكومية، وغيرها من المؤسسات ذات النفع العام والتي بدورها تقوم عن قصد أو دون قصد بتقديم نماذج وتحدد أهدافاً تكون لها آثار اجتماعية هامة، وتأثيراً غير مباشر على عملية التنشئة الاجتماعية للفرد، فالنضج ليس عباءة يمكن إلباسها للفرد في الوقت الذي نراه نحن مناسباً، وإنما هو ثمرة التعلم والعيش والنمو طوال حقبة من إن مؤثرات البيئة المحلية تتأثر إلى حد كبير بالتحولات والتغيرات الاجتماعية والتي تتجلى في أن عملية تشكيل الشخصية وعملية التطبيع الاجتماعي والأخذ بالأعراف والقيم السائدة في المجتمع تتنقل للجيل الجديد من الشباب مع شيء من القلق والصراع لا تظهر معالمه بوضوح في المجتمعات المستقرة إلا أن هذه المعايير السلوكية والقواعد الأخلاقية تهتز بقوة في المجتمعات التي تعيش في مرحلة تغير سريع حيث يحدث شيء من الصراع بين أنماط من السلوك الجديدة أو المعايير والقيم السائدة التقليدية، ويجد الجيل الجديد من الشباب نفسه أمام نمطين متناقضين، بين المعايير والأخلاقيات الموروثة السائدة وبين المعايير الجديدة فيحاول الجيل العمل على تكوين ثقافة جديدة يجد فيها نوعاً من الانتماء والأمان ، وتظهر وتتبلور من خلال سلوكيات متباينة للفرد سواء مع أفراد أسرته من الأخوة، أو مع الأصدقاء، وتتجلى مظاهرها بوضوح في اندماج مع شلة من الأصحاب التي تتكون من الطلبة أو من أصدقاء الأزقة حيث يكون الفرد مع هؤلاء الأصحاب جماعة تدعم جماعة منحرفة فيما إذا تركت الأمور دون توجيه أو متابعة من الأهل فتتكون في هذه الأخيرة جماعات منحرفة يدعم أفرادها سلوك بعضهم البعض، وتعطى هذه الجماعة للفرد نوعاً من الاستجابة الانفعالية، أو ما يمكن أن نطلق عليه الأمن الانفعالي، ومناعة تجاه النقد الاجتماعي، وتعمل هذه الجماعة على تكوين معايير سلوكية بها يتفق أفرادها على معالمها، وباختصار يتشكل نوع من الثقافة الجديدة الخاصة بالجماعة، وتحدث ممارسات سلوكية متباينة، وتكون بداية للانحرافات السلوكية المختلفة ومنها تعاطي المخدرات الذي يبدأ من تناول سيجارة ويتبعها مجاراة الأصحاب في التعاطي تقليداً ومجاراةً للأصدقاء بغية الحفاظ على علاقة الفرد بأعضاء الشلة، أو تأكيد الانتماء إليهم، والحصول على مكانة مناسبة بين أفرادها، ويكون تعاطي المخدرات بداية يتبعها مرحلة التعود بعد عملية التكرار واستمرارية التعاطي، وينشأ من خلال هذه الممارسات سلوكيات كنوع من تبادل الأدوار، وتعزيز العلاقات بين الجماعة، حيث يعمل المتعاطي على إشباع حاجته النفسية بانتمائه إلى جماعة، والتي تخفف عنه وطأة العزلة والوحدة، وتدعم موقف الجماعة ويقوى ارتباطها بالمخدر بانتساب أعضاء جدد إليها، وقد أكدت إحدى الدراسات أن 70% من المتعاطين  لا يرغبون بوجود فرد غير متعاطي بينهم ، في حين أكد 75% أن لقاء التعاطي يكسبهم مزيداً من الأصدقاء، وأكد 90% من جماعة المتعاطين للمخدرات أن الفروق الاجتماعية والفردية تتلاشى فيما بينهم خلال فترة التعاطف، ويشعرون بشيء من المساواة والانسجام في كل شيء.

نستنتج مما سبق أن مراحل الإدمان طبقاً لما ورد تتجلى في مراحل ثلاث، الأولى مرحلة التجريب مع الأقران، ثم يتبعها نتيجة لاستمرار التعاطي مرحلة التعود، وبعدها تأتي مرحلة الإدمان التي تحدث نتيجة لتكرار تعاطي أحد المخدرات الطبيعية منها أو الصناعية، حيث يصبح المريض أسيراً لمخدره المفضل، وتبدأ بعد ذلك المشكلات الصحية المعروفة تبدأ في الظهور، كشحوب الوجه، وانخفاض الوزن، والاضطرابات الجنسية، وما يواكبها من تقلب في النفسية والمزاج، والتي يمكن أن يصاحبها سلوكيات منحرفة، كالدعارة أو السرقة، وغيرها من سلوكيات الانحراف المعروفة، وأمام هذا التحول تكون مسؤولية البيئة مسؤولية كبيرة في الوقاية والعلاج، ويتساءل أحد علماء النفس لماذا نحتاج إلى أطفال مثاليين. ففي بلادنا وفي العالم مجموعة من المشكلات الاجتماعية الضخمة التي تثير الذعر فينا، فباعتمادنا على المبادرة والمادية والآلة استطعنا أن نحقق المعجزات في ميدان التكنولوجيا، ولكن في الوقت الذي نشعر فيه أننا قادرون على تلبية احتياجاتنا المادية نرى بوضوح مثير للقلق بأننا لم نستطع إحراز تقدم مماثل في حياتنا الاجتماعية، وعلاقاتنا الإنسانية وسلامتنا النفسية والروحية.

 

المبحث الثالث: واقع المؤسسات المحلية في الوقاية والعلاج بدولة الإمارات:

المؤسسات التعليمية والوقاية من المخدرات:

تساهم المؤسسات التعليمية في الدولة على اختلاف أنواعها ومراحلها في وقاية المجتمع والأفراد من الانحراف، وشتى ألوان التدهور الأخلاقي، ومنها تعاطي المخدرات، سواء من خلال المناهج الدراسية والبرامج التعليمية أو الأنشطة المدرسية المختلفة، وقد استهدفت مؤسسات التعليم تطوير قدرات المتعلمين، وتزويدهم بالخبرات المختلفة، فضلاً عن تطوير عاداتهم، والمساهمة في إكسابهم أنماط سلوكية إيجابية، وتعمل على نشر الوعي الأمني من خلال الندوات والمعارض والأنشطة، ويتم بصورة متزايدة تضمين المناهج العادية للتعليم معلومات عن المخدرات وتعاطيها وخاصة في المواد العلمية، أو في مادة التربية الدينية والتاريخ، أو في الأدب أو الدراسات الاجتماعية، والمشكلة الكبرى التي تواجه تضمين هذه المعلومات الخاصة بمشكلات تعاطي المخدرات والوقاية منها في مناهج الدولة تعود إلى أسلوب إدخال هذه المعلومات في المناهج الدراسية، وجعلها تتفق و روح الدروس كلها لا أن تكون مجرد  إضافة مواعظ مستقلة جديدة، وبالرغم من أنه لا يوجد في الأهداف التربوية المدرسية إشارة صريحة عن الوقاية من الانحراف والجريمة والمخدرات، ونشر الوعي الأمني، إلا أن مفردات المناهج الدراسية تسعى إلى تحقيق هذه الأهداف بأسلوب أفقي لا رأسي، فالأهداف المشتقة من مواد التربية الإسلامية، وتعاليم الدين تحوي قيماً تحث على الفضيلة والتحلي بالأخلاق الحسنة ونبذ الرذيلة، كما تحث على التوجيه والوقاية من الانحراف، إلا أن الجانب النظري ما زال يغلب على أسلوب نقل هذه المعلومات والأفكار، وهناك مؤشرات أظهرتها بعض الدراسات الخاصة بالقيم المرتبطة بتحصين النشء ضد مخاطر الجريمة والانحراف. ومدى توافرها في بعض المقررات الدراسية وقد أظهرت الدراسة أن تعليم القيم في المناهج ورد بصورة ضمنية، مما يجعل التطرق إليها يتوقف على مدى اقتناع المعلم بها، وقدرته على استشفافها ومعالجتها بطريقة فعالة، كما لوحظ أن الكتب المدرسية تهتم بالقيم البنائية، أي التي تسهم في البناء السوي للطلاب ولكنها لا تهتم بالقيم الوقائية التي تقي الطلاب من الوقوع في الجريمة والانحراف، فهي تسهم في تكوين رأي عام واتجاهات عامة لدى الطلاب ضد السلوك الإجرامي، مثل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إلا أنها لا تهتم بالبعد العلاجي وبالأخص في جرائم مثل الزنا وتعاطي المواد الكحولية والسرقة والقتل العمد، وقد تعرضت الكتب الدراسية لموضوع الإدمان وخطره، وقد خلصت الدراسة ببعض التوصيات وكان أهمها : تضمين الكتب الدراسية موضوعات من التراث والواقع، تبرز السلوك الإجرامي، وخطره والعقوبة التي تنتظر أصحابه، وضرورة تدريب المعلمين على تحليل القيم المتضمنة في الموضوعات الدراسية المختلفة ومعالجتها بالأساليب المناسبة التي تعتمد التحليل دون التلقين، وقد خلصت دراسة أخرى خاصة بدور المدرسة في الوقاية من الجريمة. إلى بعض المؤشرات المهمة التي تشير إلى ضعف الدور التربوي للمدرس، والنشاط المدرسي، وضعف الثقة بين المدرس والتلميذ والتي يصعب معها تكوين علاقة علاجية لتصحيح سلوك التلميذ. وقد أظهرت دراسة دور المؤسسات التربوية في وقاية المجتمعات الخليجية ضد مخاطر الجريمة والانحراف، أن المناهج الدراسية في دول الخليج الخاصة بمراحل التعليم العام تسعى لتحقيق الأهداف العامة للتربية في هذه الدول، إلا أن أسلوب التعليم في المدراس وتوصيل المعلومات تحول دون غرس هذه القيم بالطريقة التي تكون الرادع الذاتي للوقاية من الانحراف وأن افتقار المناهج الدراسية والبرامج التعليمية في مؤسسات التعليم للقدرات والاستعدادات العقلية لدى بعض الطلبة ساعد على تسربهم من المدراس وعلى فشلهم في  متابعة تعليمهم، و أن نسبة عالية من المنحرفين ومتعاطي المواد المسكرة والمخدرات هم من الأميين ومن المتسربين، وقد أشارت نتائج دراسة ظاهرة إدمان المخدرات في المجتمع الإماراتي إلى أن المعاملة الوالدية السلبية تسهم في تدني مستوى التعليم لدى المدمنين وذلك من خلال إحداث فشل مبكر يقود بدوره إلى التسرب الدراسي وافتقار المناهج الدراسية إلى وجود برامج للتوعية الأمنية، وعدم وجود تنسيق مع المؤسسات الأمنية والاجتماعية في المجتمع للعمل ضمن إطار خطة شاملة لوقاية المجتمع من الانحراف.

وقد أشارت نتائج دراسة ظاهرة إدمان المخدرات في مجتمع الإمارات إلي نتائج مماثلة حيث أظهرت أن المعاملة الوالدية السلبية تسهم في تدني مستوى التعليم لدى المدمنين و ذلك من خلال إحداث فشل مبكر يقود بدوره إلى التسرب وترك الدراسة والانخراط في سلك الانحراف والمنحرفين كما أن إخفاق بعض المدارس في التعامل مع الفشل أو التخلف الدراسي أدى إلى ترك التلاميذ للمدرسة و هيأ للانحراف في غياب نماذج أسرية صالحة للإقتداء.

نستنتج مما سبق أن المؤسسات التعليمية في الدولة على الرغم من الجهود المبذولة لتطويرها إلا أنها مازالت تواجه بعض المشكلات المنهجية والتعليمية والبنائية التي تحول دون القيام بدورها المنشود للوقاية من الانحراف بأنواعه وبالإمكان استناداً إلى مؤشرات الدراسات السابقة تفعيل دور المدرسة للقيام بالدور المطلوب لكي تقوم بدورها المؤسسي الذي يمكن أن يسهم بفعالية في الوقاية من الانحرافات السلوكية المختلفة ومنها تعاطي المخدرات .

 

 

 

واقع المؤسسات الإعلامية في الوقاية من المخدرات:

تعتبر أجهزة الإعلام مصدراً أساسياً للمعلومات والأفكار ويمكنها أن تمارس تأثيرات ضخمة على اتجاهات وأداء سلوكيات الناس، وأصبحت أدوات أساسية تلعب دورها في عملية التطبيع والتنشئة الاجتماعية، ولاشك فإن وسائل الإعلام تتأثر بالبيئة الاجتماعية والثقافية التي تحيط بها، وتستلهم الأحداث والمواقف من البيئة الاجتماعية والثقافية السائدة، بما فيها من اتجاهات وقيم ومعايير وتقاليد، والسؤال الذي يترتب على ذلك هو ما مدى الاستفادة من إمكانات وسائل الأعلام في نشر الثقافة الأمنية الجادة التي يمكن أن تساهم في البناء الفكري لأبناء مجتمع الإمارات وتحقيق أمنهم في الوقاية من الانحراف وتعاطي المخدرات.

تجدر الإشارة إلى أن الدراسات الميدانية المتصلة بدراسة أثر الإعلام في الوقاية من الانحراف والمخدرات قليلة نسبياً وسوف نتعرض باختصار إلى أهم النتائج التي توصلت إليها الدراسات.

· أظهرت دراسة حديثة تتعلق بدور التلفزيون في نشر الوعي الأمني ومحاصرة الجريمة إلى قلة عدد البرامج التي تعنى بنشر الوعي الأمني والوقاية من تعاطي المخدرات، فقد بلغ عدد البرامج التي بثت في تلفزيون أبو ظبي سنوياً تسعة برامج بعضها مقتصر على حلقات قليلة وقصيرة المدة وبعضها الآخر عبارة عن مسلسل مؤلف من حلقات، يتناول قليل من حلقاته القضايا الأمنية، ولم يزيد وقت البث السنوي عن 356 دقيقة أي حوالي 6 ساعات فقط، وبلغت المدة الخاصة بالوقاية من تعاطي المخدرات حوالي ساعتين ونصف في السنة وهي مدة قليلة جداً، والجدول التالي يوضح عدد الحلقات الأمنية وموضوعها ومدة البث .

 

 


جدول رقم (1) يبين إجمالي عدد البرامج الأمنية ومدة البث في تلفزيون أبو ظبي لعام 1995..

المحتوى

إجمالي مدة البث

عدد الحلقات الأمنية

اسم البرنامج

المخدرات، العنف

120 دقيقة

2

ناس وأفلام

لقاء للتوعية.

19 دقيقة

2

حرب المخدرات

تناول الدواء، قيادة السيارة، المخدرات، الإسعاف، الإيدز، التدخين، المنشطات.

32 دقيقة

8

سلامتك

الجروح، حوادث الدراجات، حزام الأمان، الحرائق.

38 دقيقة

3

توخي السلامة (أجنبي مد بلج)

مخاطر المخدرات.

25 دقيقة

2

لا للمخدرات

الإيدز، الإدمان.

45 دقيقة

3

عالم بلا مخدرات

الجاسوسية.

60 دقيقة

1

خدمات سرية

السرقة.

12 دقيقة

1

سوبر مان (كرتون أطفال)

 

وقد أشارت نتائج الدراسة الميدانية إلى أن نسبة 29% من أفراد العينة أكدوا  أن برامج التوعية الأمنية برامج مملة، وتفتقر لعنصر التشويق وجذب المشاهد، وهي لا تركز على كافة جوانب وأبعاد الأمن، كما أنها برامج موسمية، كما اعتبر 14% من أفراد العينة أن أوقات بث برامج التوعية الأمنية غير مناسبة، وجاءت النسبة ذاتها والتي أشارت إلى أن طريقة عرض وتقديم وإعداد وإخراج هذه البرامج ضعيفة وغير مناسبة، وأن عدم ملاءمة هذه البرامج بالنسبة للجمهور يعود إلى غياب مشاركة الجمهور في برامج التوعية، وقد أشارت نسبة 81% إلى أن التوعية الأمنية في محطات التلفزة في دولة الإمارات، يعود لنقص الخبراء والمختصين، وجاء في المقام الثاني صعوبة الحصول على المعلومات وسريتها بنسبة 76%، وحدد البعض أسباب أخرى لعدم كفاية برامج التوعية الأمنية والذي يرجع إلى الخوف من الخوض في كلام يتعلق بالأمن من قبل محطات التلفزة في دولة الإمارات.

· أظهرت دراسة خاصة بالإعلام الشرطي في دولة الإمارات أن هناك أربعة برامج تلفزيونية وإذاعية خاصة بالإعلام الشرطي في الدولة، ومن ناحية النشرات واللوحات والملصقات التثقيفية والتوعية الأمنية، فباستثناء اللوحات والعلامات الإرشادية والتحذيرية الخاصة بالمرور، فهي في الغالب موسمية وتركز على سلامة المرور ومكافحة المخدرات ويرتبط تعميمها والتنبيه إليها بمناسبات معينة كأسبوع المرور واليوم العالمي لمكافحة المخدرات. وقد خلصت الدراسة إلى أن معظم البرامج من حيث الشكل والمضمون  متروكة للمبادرات والاجتهادات التي قد تصيب وقد تخطئ، كما لا يوجد سياسة متفق عليها لضبط وتنسيق مناهج ومضامين الإصدارات الإرشادية والتثقيفية والتوعية في نطاق الإعلام الشرطي. كما أن معظم المادة المطروحة في المجلات الشرطية لا تراعي أسلوب قبول ومستوى استيعاب من أريد أصلاً توجيهها إليه في نطاق الشرطة والجمهور.

· أفادت إحدى الدراسات المتصلة بالأسرة الخليجية والتي تطرقت إلى أثر الإعلام في مجتمع الإمارات، أن الموضوعات الثقافية المطروحة للأطفال لا تتناسب وثقافة المجتمع ولا تساعد على تربية الطفل وغرس القيم الإيجابية في وجدانه، وما يقدم للطفل لا يتناسب وواقع المجتمع وواقع الطفل فيه، خاصة في ظل المتغيرات الاجتماعية والثقافية المحيطة به، كما يلاحظ أن الموضوعات المطروحة في بعض المجلات والصحف لا تتسم بالعمق، ولا تناقش الموضوعات الاجتماعية والصحية والثقافية للطفل في مجتمع الإمارات.

· وقد أكدت إحدى الدراسات الخاصة بالإعلام ومواجهة المخدرات ما ورد في الدراسات السابقة حيث لخصت أهم هذه المشكلات في فجائية المعالجة، وعدم تكاملية البرامج الإعلامية المختلفة، وعدم تكاملية هذه البرامج مع برامج المؤسسات التعليمية والتربوية الأخرى، وعدم توافر المعلومات الكافية عند معدي ومقدمي البرامج بالإضافة إلى افتقاد مهارات الاتصال، وعدم التحوط لمسألة استشارة حب الاستطلاع عند الجمهور، وعدم التوفيق في مسألة تقسيم الجمهور وتصنيفه، وافتقاد التقويم لما يقدمه الإعلام للجمهور من مضامين معينة في إطار برامجه المختلفة.

يستنتج مما سبق أن وسائل الإعلام المختلفة تساهم مساهمة متواضعة في الوقاية من الوبائيات وتعاطي المخدرات ونشر الوعي الأمني بصورة عامة، ولا تقوم بالدور الوقائي المطلوب بالتنسيق مع المؤسسات والقطاعات الأخرى في الدولة. ولقد كان الإعلام وربما سيظل استراتيجية وقائية لا بالنسبة لسوء استعمال المخدرات فقط بل لجميع المشكلات الاجتماعية والأمنية والصحية، ويمكن للإعلام إذا استخدم ضمن استراتيجية أن يعمل بكفاءة أكبر ويساهم بفعالية في العمل الوقائي إذا عمل في إطار عام يقوم على الإقناع والاتصال الفعال، فجوهر أي اتصال يهدف إلى التأثير على المعرفة وطبيعة رسالته والمجموعة التي يستهدفها، وهذه العناصر جمعيها تستلزم فهماً واضحاً للمرمى أو الهدف، ومهما كان الهدف فهناك مبادئ أساسية تقرر فعالية المعلومات والإعلام .

دور المؤسسات الصحية في الوقاية والعلاج من تعاطي المخدرات

يوجد في دولة الإمارات العربية المتحدة العديد من العيادات والمستشفيات التي يتوفر فيها وحدات علاج للطب النفسي ومراكز علاج الاعتماد على العقاقير، كمراكز علاج الاعتماد على العقاقير الملحقة، بعض مستشفيات وعيادات الدولة والذي يغلب على مهمتها علاج المدمنين أو الذين يتعاطون المخدرات وتتعامل هذه المراكز مع مرضى أدمنوا المخدرات، وتقوم فلسفة المراكز الرئيسية على فلسفة العلاج حيث يعمل في هذه المراكز كادر طبي متخصص وبعضها مجهز بأحدث الأجهزة والمعدات، كما تقوم هذه المراكز بدوراً وقائياً يتصل بمرحلة ما بعد العلاج، أو ما يسنى بمواجهة الانتكاسة للمريض المعالج، حيث يتم وضع المريض في قسم يسمى قبل الخروج، ويتم الإشراف عليه ومتابعته لمدة شهر أو شهرين لوقايته من العودة إلى تعاطي المخدرات، كما يتم متابعة المرضى بصورة دورية عن طريق الأخصائيين الاجتماعين ومحاولة إيجاد حلول للمشاكل التي يواجهها بعد إتمام علاجه والخروج إلى المجتمع، وكما أشرنا فإن وظيفة ومهام هذه المراكز تكمن في التركيز على العلاج إلا أن دورها الوقائي ينحصر في وقاية المريض بعد الشفاء، وهناك بعض المساهمات ي لأنشطة هذه المراكز الوقائية العامة التي يساهم فيها في المجتمع. ولا شك فأن العلاج في هذه المراكز يكون في الغالب طبياً ونفسياً ويمتد العلاج من شهر إلى ستة أشهر وذلك بحسب حالة المدمن ورغبات الأهل والشرطة، كما تساهم وزارة الصحة مساهمة فعالة في نشر الوعي الصحي للوقاية من المخدرات من خلال عرض ملصقات ومعلومات وتوزيع كتيبات خاصة بالوقاية من تعاطي المسكرات والمخدرات، والوقاية من الأمراض المعدية الأخرى كالإيدز وغيره من الأمراض وذلك من خلال العيادات الصحية المنتشرة في الدولة، ورغم أن هذه الجهود قد تبدو غير كافية لاختصارها على أماكن محددة وموجهة لطبقة محددة من الجمهور، إلا أنها تظل محاولة إيجابية تساهم في العمل الوقائي ونشر الوعي الصحي والذي نأمل أن يأخذ أبعاداً أكثر انتشاراً وتنوعاً على مستوى الدولة.

يستنج مما سبق أن دور المؤسسات الصحية يتركز على الجانب العلاجي للمدمنين بصورة رئيسة جسمياً ونفسياً وهناك جهود وقائية تبذل على مستوى العيادات الخارجية في الدولة.

 


مسار جرائم المخدرات في دولة الإمارات العربية المتحدة:

إن مسار جرائم المخدرات في دولة الإمارات العربية المتحدة يستدعي الأخذ بعين الاعتبار مشكلة التفاوت في الأرقام التي تشير إليها الإحصاءات والتقارير الجنائية السنوية الخاصة بأعداد جرائم تعاطى المخدرات وأعداد مرتكبيها، وهو ما يشير إلى مشكلة تباين الإحصاءات وخلو البعض منها للعديد من المعلومات الضرورية الهامة لعملية التحليل الإحصائي لها خصوصاً وأن جرائم المخدرات هي من الجرائم التي يصعب الكشف عن نسبة مرتفعة منها سواء أكانت جرائم تعاطى أو جرائم تهريب واتجار بها، وذلك لتطور الأساليب التي يتبعها المهربون والتي تحول دون التعرف على الجماعات الرئيسية المدبرة لمثل هذه الجرائم، وهذا يستدعي تناول الإحصاءات الجنائية الخاصة بجرائم المخدرات بقدر أكبر من الدقة وتوحيد إعداد البيانات الإحصائية على مستوى الدولة. فالجهود المبذولة لمكافحة المخدرات على مستوى الدولة لن تؤدي إلى نتائج هامة ما لم يكن لدى مسؤولي المكافحة معرفة كاملة بحجم الظاهرة في المجتمع، ومعرفة جوانبها المختلفة، وإذا كانت الإحصاءات لا تعطى مؤشراً واقعياً عن عدد المتعاطين وعن كميات المخدرات التي يتم ضبطها فإنه يصعب التعرف على الحجم الفعلي لأعداد المتعاطين وكمية وأنواع المخدرات المتداولة في المجتمع. كما يصعب التعرف على سمات الفئات الاجتماعية التي تتجه أكثر من غيرها إلى المخدرات. فضلاً عما يشوب الإحصاءات الخاصة بجرائم المخدرات من حذر وتحفظ، وتفقد أساليب التهريب وتجارة المخدرات على المستوى الخارجي والمحلي، والذي يعتريه نوع من السرية مما يجعل الكشف عنه من قبل الجهات المختصة على قدر كبير من الصعوبة. وهذا يشير إلى أن مسئولية التصدي لمشكلة تعاطى المخدرات هي مسئولية تقع على عاتق كافة مؤسسات الدولة الأمنية والاجتماعية، وعلى إعطاء الاهتمام الخاص للنظم الإحصائية المتبعة، والعمل على ربط المشكلات الأمنية بالمشكلات الاجتماعية وعدم الفصل بينهما في التوجه العام لمسار الدراسات والأبحاث الأمنية في المجتمع.

 

الدراسة الميدانية:

وتشير الدراسة الميدانية التي تم إعدادها للتعرف على أكثر الجرائم انتشاراُ في مجتمع دولة الإمارات إلي نتائج ملفتة للنظر بالنسبة لمشكلة تعاطي المخدرات، فقد تم اختيار عينة تكونت من 430 فرداُ من المواطنين والمقيمين في إمارة أبو ظبي، حيث بلغت نسبة الذكور 64% من إجمالي العينة والإناث 68% وبلغت نسبة العزاب 27.2% ونسبة المتزوجين 68.8% وقد بلغت نسبة  المتعلمين من أفراد العينة حوالي 90% وقد روعي اختلاف المهن والعمر وتعدد الجنسيات، وتم سحبهم بالطريقة العشوائية. كما تم إعداد أداة البحث والمتمثلة في الاستبانة المصممة على أساس الأسئلة المفتوحة في بعض فقراته والأسئلة المحددة الإجابة في الفقرات الأخرى، وتم تجريب الاستبانة على عينة استطلاعية بلغ مقدرتها 30 فرداُ كما عرضت الاستبانة على محكمين متخصصين من رجال الشرطة لديهم الدراية الكافية بأكثر الجرائم انتشاراُ في المجتمع الإماراتي، وقد تم حساب التكرارات لعرض البيانات الأولية (الشخصية) لأفراد العينة، كما تم حساب المتوسطات والانحرافات المعيارية لعرض أهم الجرائم التي يخشاها أفراد العينة أو التي سمع عنها، كما تم حساب الوزن النسبي لهذه الجرائم ورتبت تنازلياً حسب أهميتها النسبية، وقد تم اختيار أهم الجدوال التي تتعلق بهذه الدراسة بصورة مباشرة بغية الوقوف على مدى انتشار جرائم تعاطي المخدرات والمسكرات في مجتمع الإمارات من وجهة نظر أفراد العينة، ويظهر الجدولان رقم (1،2) أكثر الجرائم شيوعاً في مجتمع الإمارات وموقع جريمة تعاطي المخدرات منها من حيث الأهمية والترتيب.

أ- أكثر الجرائم شيوعاً في مجتمع دولة الإمارات العربية المتحدة من وجهة نظر أفراد العينة:

يعرض الجدول التالي أكثر الجرائم شيوعاُ في المجتمع الإماراتي من وجهة نظر أفراد العينة

جدول (1)

يوضح الجرائم الأكثر شيوعاً في مجتمع دولة الإمارات العربية المتحدة من وجهة نظر أفراد العينة

النسبة المئوية %

نوع الجريمة

م

النسبة المئوية %

نوع الجريمة

م

47.75

سرقة محلات

8

68.00

شيكات

1

47.5

قتل

9

68.00

مخدرات ومسكرات

2

46.75

خطف

10

63.25

غش تجاري

3

43.25

قمار

11

56.25

إعتداءات جنسية

4

41.75

تخريب ممتلكات عامة

12

53.75

سرقة منازل

5

38.5

ابتزاز

13

53.25

إعتداء بالضرب والإيذاء

6

34.75

سرقة أموال المارة

14

50.75

سرقة سيارات

7

 


ب ـ أكثر الجرائم شيوعاً من وجهة نظر الإناث :

جدول رقم (2)

يوضح الأهمية النسبية للجرائم حسب مدى سماع الإناث لها

النسبة المئوية %

نوع الجريمة

م

النسبة المئوية %

نوع الجريمة

م

49.84

سرقة سيارات

8

72.48

مخدرات ومسكرات

1

49.06

قتل

9

64.31

غش تجاري

2

45.59

سرقة محلات

10

62.75

شيكات

3

41.98

تخريب ممتلكات عامة

11

60.69

إعتداءات جنسية

4

41.67

قمار

12

55.82

سرقة منازل

5

36.32

ابتزاز

13

52.52

إعتداء بالضرب والإيذاء

6

32.08

سرقة أموال المارة

14

50.63

خطف

7

 

 

بالنسبة للإناث نلاحظ أن تعاطي المخدرات والمسكرات تمثل أكثر الجرائم شيوعاُ، يليها الغش التجاري ثم الشيكات ثم الإعتداءات الجنسية، أما الابتزاز وسرقة أموال المارة فهي أقل الجرائم شيوعاً من وجهة نظر الأناث.

 

تشير الدراسة الميدانية هذه إلى أن جرائم تعاطي المخدرات والمسكرات تعد من أكثر الجرائم انتشاراً في المجتمع الإماراتي وقد احتلت المرتبة الثانية من حيث الأهمية والوزن النسبي، من وجهة نظر أفراد عينة الدراسة الكلية، أما بالنسبة للإناث فان جريمة تعاطي المخدرات والمسكرات تمثل أكثر الجرائم شيوعاً وجاءت في المرتبة الأولى من حيث الأهمية.

ولاشك فان نتائج مؤشرات هذه الدراسة ملفتة للنظر وتتفق مع المعطيات الإحصائية العديدة والتي تستدعي إيلاء أهمية خاصة بجرائم المخدرات وتؤكد هذه الدراسة لدى تناول الإحصاءات الجنائية عموماً أهمية بالنظر إلى حجم الإجرام الخفي لجرائم المخدرات نظراً لما أشرنا إليه من أن عمليات التهريب وتنوع أساليبها وإحاطة الترويج الداخلي للمخدرات بقدر أكبر من السرية يصعب إلى حد كبير الكشف عن نسبة كبيرة منها من قبل السلطات المختصة. فضلاً عن أن تعاطي المخدرات عادة ما يتم بصورة بالغة في السرية لا تمكن السلطات المختصة من تقصيها إلا في الحالات النادرة التي يبدو للتعاطي فيها مظاهر خارجية. ويؤكد هذا مؤشرات التقارير الجنائية السنوية والتقارير الإحصائية لقضايا المخدرات المضبوطة في دولة الإمارات العربية المتحدة حيث تتباين المعلومات الخاصة بعدد القضايا المضبوطة والمسجلة وعدد المتهمين بإرتكاب جرائم المخدرات في العام ذاته، إلا أن الاحصاءات تشير بوضوح إلى أن أعداد قضايا المخدرات في زيادة مستمرة من سنة لأخرى وبمعدل زيادة سنوية تقدر بحوالي 12% وسطياً. علماً بأن الدراسات وتقارير المنظمات الدولية قد قدرت متوسط نسبة ما تم ضبطه من المخدرات لا يزيد عن 15% على أحسن تقدير، وتؤكد هذه المعطيات أهمية التصدي بفعالية لمشكلة تهريب وتعاطي وتجارة المخدرات على المدى المنظور والبعيد.

 

المبحث:

نحو رؤية جديدة للوقاية من تعاطي المخدرات في مجتمع الإمارات العربية المتحدة.

 

أ ـ من أجل سياسة أمنية اجتماعية من العلاج إلى الوقاية.

إن علاج المشكلات الإجتماعية مكلف للغاية، وتتجه الأنظار في العصر الحالي إلى التركيز على الوقاية، وذلك بالعمل على تطوير سياسة تسمح بتوقع المشكلات الاجتماعية والأمنية، وذلك عن طريق تنمية الدراسات الإجتماعية واتخاذ خطوات عملية تساعد على التنبؤ بوقوع أو ظهور مشكلات أو مخالفات سلوكية انطلاقاً من نتائج الدراسات والإحصاءات المتوفرة، والبرامج الوقائية المختلفة. ومن جهة ثانية فقد أدى الاهتمام بالجانب العلاجي لبعض المشكلات الاجتماعية والأمنية كمشكلة الإدمان دون الإهتمام بنفس الدرجة بالجانب الوقائي والبحث عن مسببات الإدمان، وتطور مسار عملية الإدمان في الوسط الإجتماعي أو البيئة المحلية للمدمن.

إن هذا يتطلب أن تكوت الوقاية مكملة للعلاج والردع، وأن يتم انتهاج سياسة تقوم على هذا الأساس، وقد أكدت العديد من الدراسات الحديثة وتوصيات المنظمات المختلفة أهمية التركيز على الوقاية مع العلاج، فالإنحراف ليس مجرد انحراف فردى بل هو في الغالب نتيجة طبيعية لبعض المشكلات الاجتماعية والاقتصادية، ولا شك فإن المعادلة واضحة المعالم بينة القسمات، فكلما زادت درجة الوقاية تقلصت درجة العلاج أو الردع، وقد عبر الكاتب الفرنسي المعروف فيكتور هيغو عن ذلك بعبارة معروفة على المستوى الأوربي: "إن فتح مدرسة يعنى إغلاق سجن، فهل هذا يعني أن أولئك الذين لا يذهبون إلى المدرسة سيذهبون إلى السجن في يوم ما ؟”

إنه من الضروري عندما نتحدث عن السياسة الأمنية أن ننظر إلى المجتمع في كونه يحمل جزءاً من حل مشكلاته الاجتماعية والأمنية، ويكون التنسيق بين الوقاية والعلاج هو مطلب أساسي لا بد أن نوليه الاهتمام المناسب. ولذا فإن السياسة الأمنية يفترض أن تتضمن عدة محاور رئيسية أهمها:

1- تطوير آلية النظم المعمول بها الوقائية منها والعلاجية.

2- تشجيع التعاون بين المدن المختلفة في الدولة في مجال الوقاية والعلاج من المخدرات.

3- عدم حصر التعامل مع ظاهرة الإدمان على الجانب العلاجي فقط.

4- التركيز على دور المدرسة في التعامل مع ظاهرة الإنحراف لدى الشباب، وأن تصبح المدرسة مكاتاً للوقاية من الإنحراف لا أن ينظر إليها كمصدر الجنوح.

5- إنشاء مراكز الوقاية الإجتماعية والتي تتضمن أقساماً خاصة للوقاية من تعاطى المخدرات.

 

آلية العمل الوقائي:

 (1) لجنة الوقاية من المخدرات:

إن تشكيل لجنة الوقاية من المخدرات يٌعد أساس أي عمل وقائي بناء، ويتم تشكيلها من ممثلين عن مختلف الوزارات والدوائر المحلية برئاسة مدير الإدارة العامة للشرطة أو وكيل وزارة الداخلية، وتقوم هذه اللجنة بدور التنسيق والتعاون بين الوزارات والدوائر المختلفة من أجل تنفيذ السياسة الوقائية المقترحة من قبل هذه القطاعات والعمل على تشجيع السلطات المحلية على تطوير سياسات وقائية اجتماعية محلية

     

(2) أقسام خاصة بالوقاية من المخدرات:

يتم تأسيس مراكز وقائية خاصة بالوقاية من كافة المشكلات الاجتماعية والأمنية يكون من بين إختصاصتها إعداد برامج محلية للوقاية من تعاطي المخدرات، وذلك باختيار موضوعات وآليات تدعم عملية الوقاية من الجنوح والمخالفات، وتتصل بكافة القطاعات الحيوية في الدولة مثل:

1- برامج خاصة بوزارة التربية والتعليم تتعلق بعلاج مشكلة تسرب الطلبة من المدارس، ولذا يكون الاهتمام بهذا الموضوع ومتابعة الذين يتغيبون عن المدارس لفترات طويلة أو الذين يتركون الدراسة ضرورية كإجراء وقائي يسمح بالتعرف على مرحلة ما قبل الجنوح.

وقد أظهرت الدراسات الخاصة بالتسرب الدراسي والانقطاع عن المدرسة أهمية البيئة المدرسية بالنسبة للأحداث، فإلى جانب الهدف التثقيفي الذي تقدمه المدرسة فإنها تلعب دوراً بالغ الشأن في مساعدة الحدث لكي يتعلم كيف يساير الناس وكيف يتقبل الواجبات، وتتكون لديه من خلال تعامله مع الجماعة مجموعة من القيم، وإذا فشلت المدرسة في تحقيق هذه الغايات فإن ذلك قد يؤدي بالحدث إلى الإنحراف. ففشل الأطفال في الدراسة نتيجة لتقصير عقلي أو عوائق جسمية معينة تعرضهم لتوبيخ المعلم والأهل وسخرية زملاء الدراسة مما قد يدفع بهم إلى الشعور بالنقمة والهروب من المدرسة، والإنضمام إلى رفاق السوء والسير في طريق الإنحراف وتعاطي المخدرات بشكل أو بآخر، وقد أوضحت أغلب الدراسات أن الفشل في الدراسة يظهر واضحاً عند المنحرفين في سن مبكرة، حيث أفادت إحدى الدراسات التي أجريت على النزلاء في أمستردام أن 35% منهم كانوا غير منتظمين في الدراسة، وأن 44% منهم كانت نتائج دراستهم فاشلة، وأن 25% من الأحداث المنحرفين تركوا الدراسة بسبب فشلهم وعدم رغبتهم في الدراسة.

فالفشل الدراسي كان وراء ترك المدرسة للعديد من الأحداث الذين لم تتكون لديهم بعد مقومات ثابتة لمواجهة أمور الحياة ومشاكلها بحيث أصبحوا معرضين للسير في طريق الإنحراف لعدم إكتمال نضجهم العاطفي والإجتماعي الذي يؤهلهم للعمل. وباختصار فإن أغلب الدراسات قد كشفت عن دور التخلف الدراسي والغياب عن المدرسة في تكوين الإتجاهات المضادة للمجتمع والسلوكيات التي تؤدي إلى إنحرافات سلوكية مختلفة ومنها تعاطي المخدرات.

ولعلاج التسرب الدراسي يتم إعداد برنامج كمبيوتر خاص بمراقبة الحضور والغياب في بعض المدارس الإعدادية والثانوية يتم اختيارها استناداً إلى ارتفاع معدلات التسرب الدراسي فيها، ويتم إخطار الأهل عن غياب أبنائهم في اليوم الذي يتغيبون فيه عن المدرسة، كإجراء وقائي يهدف إلى العناية بالطلبة المنقطعين عن المدرسة أو الذين يتغيبون دون علم الأهل، ويتم اسناد مهمة المتابعة للأخصائيين الإجتماعيين لمتابعة الطلبة الذين لديهم مشاكل تتعلق بالغياب عن المدرسة لفترات طويلة، حيث يقوم الإخصائي الاجتماعي بمتابعة هؤلاء الطلبة بالتنسيق مع المدرسة والأهل للعمل على عودتهم إلى المدرسة، وتقديم توصيات علاجية مناسبة تهدف إلى إعادة الأطفال لمواصلة تعليمهم وتوجيههم إلى صفوف تقوية خاصة تنظم لهم بالتعاون مع مدرسين مختصين في دروس التقوية ومع مربي الفصول والتنسيق مع الأهل.

ويمكن أن يقوم الإخصائي الإجتماعي في المدرسة بمهمة إخطار قسم الوقاية الإجتماعية بأسماء الطلبة المنقطعين عن المدرسة لفترات طويلة أو متقطعة، ويقوم القسم الخاص بمتابعة الطلبة المتسربين من المدرسة بالاتصال بالأهل لمتابعة مسار حياة الطلبة للعمل على عودتهم إلى المدارس، وإخضاع الطلبة الذين يعانون من مشكلات  لبرامج بهدف إعادة تأهليهم نفسياً وتربوياً للإندماج في المدرسة ومواصلة تعليمهم بصورة طبيعية. كما يتم التنسيق مع المناطق التعليمية لإعطاء الأهمية لغياب بعض المدرسين الذين يأخذون اجازات مرضية واهمية تعويضهم بمدرسين احتياطيين مدربين على المناوبة لفترات قصيرة لئلا ينعكس غياب المدرسين على تسرب الطلبة من المدارس.

إن تقليص فرص التسرب الدراسي والانقطاع عن المدرسة يعتمد على دعم نظام مراقبة الحضور والغياب ببساطة ومتابعة مسار تسرب الطلبة من المدارس بالتنسيق بين المدرسة والأهل وقسم الوقاية الإجتماعية المشار إليه، ومن المبكر الحكم على إمكانية نجاح أية تجربة دون أن نجربها عملياً وستكون النتائج واضحة بعد عملية التقييم والتي ستؤدى بالضرورة إلى إجراء بعض التعديلات التي تتطلبها المواقف المستجدة.

2- برامج خاصة بالوقاية من المخدرات تبدأ من تقديم الإستشارات والمعلومات للأسر المختلفة، ولجميع أفراد المجتمع من شباب وكبار سواء عن طريق الهاتف أو بالحضور شخصياً إلى مكتب الوقاية، أو بالقيام بزيارات ميدانية من قبل أناس مدربين على التعامل مع الجمهور، كما يمكن إعداد كتيبات وملصقات خاصة بالوقاية من تعاطي المخدرات، بالإضافة إلى إعداد نماذج مدروسة للحملات الإعلامية يتم تصميمها حسب الشكل رقم () الملحق، والتنسيق مع الجهات المعنية بوزارة الداخلية لاتباع هذه النماذج لدى إعداد وتنفيذ أية حملة إعلامية خاصة بالوقاية من المخدرات أو أية مشكلات أمنية أخرى.

3- يتم تأسيس وحدة المعلومات الإحصائية وإعداد قاعدة بيانات في قسم الوقاية من أجل توفير معلومات تساعد هذا الجهاز على أداء مهامه على أكمل وجه.

4- يقوم القسم بالتنسيق الكامل مع مستشفيات الطب النفسي والعيادات المختصة بعلاج الإدمان في الدولة، وذلك بتبادل المعلومات والتنسيق في التعامل مع مشكلة الإدمان من كافة جوانبها، وذلك بتجديد الاختصاصات المختلفة وإعداد برامج عمل موحدة تحدد اختصاص كل جهة في التعامل مع مشكلة تعاطي المخدرات، وذلك بتجديد دور كل جهة في التعامل مع المشكلة، وإذا ما تم التنسيق الفعلي بين وحدات العلاج النفسي وبين هذه المراكز فانه سيكون عمل المراكز أكثر فاعلية، وسيساعد وحدات العلاج النفسي برفدها بالمعلومات الضرورية للتعامل مع مشكلات تعاطى المخدرات من الناحية الوقائية والعلاجية، وستسهم في تكامل العملية الوقائية والعلاجية. كما يتم التنسيق مع إدارات مكافحة المخدرات في وزارة الداخلية وإدارات الشرطة للإفادة والإستفادة.

إن الامكانات الخاصة بالوقاية والعلاج من المسكرات والمخدرات المعمول بها في الدولة تتسم بالطابع الفجائي والمبادرات الذاتية لبعض الهيئات الحكومية، كوزارة الداخلية ووزارة الصحة، وهي بحاجة إلى إعادة ترتيب يقوم على التنسيق لبلورة رؤية متكاملة على مستوى التخطيط والتنفيذ لآلية العمل الوقائي والعلاجي في الدولة، إن هذا يتطلب على مستوى العلاج وضع أسس ثابتة تشمل حق الفرد المتعاطي للمسكرات والمخدرات في العلاج دون أية عقبات، ومجانية العلاج، وضمان السرية التامة للمعلومات، وتأمين الرعاية الصحية والمعاملة الحسنة.

أما خطوات الوقاية المطلوبة على مستوى الدولة فلا بد أن تعتمد الأسس التالية :

      · تفعيل إجراءات الوقاية على مستوى كافة الجهات المعنية، كوزارة الصحة والتربية والإعلام، وغيرها من المؤسسات المختلفة.

                   · تطوير أداء أجهزة مكافحة تجارة المخدرات التابعة لوزارة الداخلية على مستوى الدولة .

                   · التنسيق مع أجهزة مكافحة المخدرات على المستوى المحلي والخليجي والدولي.

إن مواجهة مشكلة المخدرات هي مواجهة من أجل الحياة، ويكون انطلاقاُ من هذه الرسالة تكريس الجهود على مستوى الدولة للوقاية والمكافحة والعلاج.

إن هذا يتطلب اتخاذ خطوات عملية لتحسين فهم وإدراك أبعاد مشكلة المخدرات، ويمك